صديق الحسيني القنوجي البخاري
413
فتح البيان في مقاصد القرآن
جمع الجمع وسادة جمع على غير قياس سواء جعل جمعا لسيد أو سائد والجملة معطوفة على الجملة الأولى ، والعدول إلى الماضي للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمرا كقولهم السابق ، بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة ، والمراد بالسادة والكبراء هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ، ويقتدون بهم . وقال مقاتل : هم المطعمون في غزوة بدر والأول أولى . ولا وجه للتخصيص بطائفة معينة ، والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار ، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة . وفي هذا زجر عن التقليد شديد ، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا والتحذير منه والتنفير عنه ولكن لمن يفهم معنى كلام اللّه ويقتدي به وينصف من نفسه لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم ، ومزيد البلادة ، وشدة التعصب . فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا أي عن السبيل بما زينوا لنا من الكفر باللّه وبرسله والسبيل هو التوحيد ، ثم دعوا عليهم في ذلك الموقف فقالوا : رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ أي مثل عذابنا مرتين للضلال والإضلال وقال قتادة عذاب الدنيا والآخرة ، وقيل : عذاب الكفر وعذاب الإضلال وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً أي كبيرا في نفسه شديدا عليهم وقرىء بالمثلثة أي كثيرا لعدد عظيم القدر شديد الموقع . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى بقولهم إن به أدرة أو برصا أو عيبا ، وسيأتي بيان ذلك ، وفيه تأديب للمؤمنين وزجر لهم من أن يدخلوا في شيء من الأمور التي تؤذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال مقاتل : وعظ اللّه المؤمنين أن لا يؤذوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى ، وقد وقع الخلاف فيما أوذي به نبينا صلّى اللّه عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية فحكى النقاش : أن أذيتهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم قولهم : زيد بن محمد ، وقال أبو وائل : إنه صلّى اللّه عليه وسلم قسم قسما فقال رجل من الأنصار : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه . وعن ابن مسعود مثله ، فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فاحمر وجهه ، ثم قال : « رحم اللّه موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » « 1 » . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، وقيل : نزلت في زيد بن ثابت ، وزينب بنت جحش وما سمع فيها من قالة الناس . فَبَرَّأَهُ أي طهره اللَّهُ مِمَّا قالُوا وأظهر براءته لهم وما مصدرية أو موصولة وأيهما كان ، فالمراد البراءة عن مضمون القول ومؤداه ، وهو الأمر المعيب وأذى موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الخمس باب 19 ، والأنبياء باب 27 ، والمغازي باب 56 ، والأدب باب 53 ، 71 ، والاستئذان باب 47 ، ومسلم في الزكاة حديث 140 ، 141 ، والترمذي في المناقب باب 63 ، وأحمد في المسند 1 / 380 ، 396 ، 411 ، 436 ، 441 ، 453 .